ابن عجيبة
267
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم رجع الحق تعالى إلى الكلام على النساء ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 240 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 ) قلت : ( وصية ) : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : عليهم وصية ، ومن نصب ، فمفعول مطلق ، أي : فليوصوا وصية ، و ( غير ) : حال من الأزواج ، أي : حال كونهنّ غير مخرجات . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ويتركون أَزْواجاً بعدهم ، فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم وصية يتمتعن بها من كسوة ونفقة وسكنى ، إلى تمام الْحَوْلِ ما دام الأزواج لم يخرجن من مسكن الزوج ، فَإِنْ خَرَجْنَ بأنفسهن ، فلا نفقة ولا كسوة ولا سكنى عليكم أيها الأولياء ، ولا حرج عليكم فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للنكاح بعد تمام عدتهن ، على ما هو معروف في الشرع ، والوصية منسوخة بآية الميراث ، وتربص الحول بآية أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً المتقدمة « 1 » المتأخرة في النزول ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ينسخ ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، باعتبار الحكمة والمصلحة . الإشارة : والذين يتوفون عن الحظوظ والشهوات ، ويتركون علوما وأسرارا ، ينبغي لهم أن يوصوا بحفظها وتدوينها ، كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه إذا استغرق في الكلام وفاضت عليه المواهب ، يقول : ( هلّا رجل يقيد عنا هذه العلوم ) . ه . ليقع التمتع بها للسائرين والطالبين ، ( غير إخراج ) لغير أهلها ، فإن قضى الوقت بخروجها ، من غير قصد ، فلا حرج ، إما لغلبة وجد أو هداية مريد ، ( واللّه عزيز حكيم ) ، فعزته اقتضت الغيرة على سره : أن يأخذه غير أهله ، وحكمته اقتضت ظهوره في وقته لأهله . واللّه تعالى أعلم . ثم كرر أمر المتعة تأكيدا ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 241 إلى 242 ] وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 242 )
--> ( 1 ) أي : متقدمة في التلاوة .